+972 2 277 5445

Search our Site

نصار إبراهيم
أليس المسيح عيسى ابن مريم (ع) مسيحنا، والمهد كنيستنا، وبيت لحم مدينتنا، والأرض أرضنا، والأهل أهلنا!؟. فهل يمكن إذن أن لا يكون الميلاد ميلادنا والشجرة شجرتنا والفصح فصحنا!؟. فلم إذن كل هذه الثرثرة والتخريف من هنا وهناك!؟ أم أن "لا كرامة لنبيٍّ في وطنه"!؟. (وبالمناسبة أنا لا يناسبني تعبير "الكريسماس"، فالأقرب والأجمل إلى قلبي ووعيي ولغتي هو مفهوم وتعبير "الميلاد").
وبذات القدر أليس النبي محمد بن عبد الله (ع) محمدنا، والأقصى أقصانا، والصخرة صخرتنا، والقدس قدسنا، والأرض أرضنا، والأهل أهلنا!؟. فهل يمكن أن لا يكون عيد المولد النبوي عيدنا والأضحى والفطر أعيادنا!؟ فلم إذن كل هذه الثرثرة والتخريف من هنا وهناك!؟. أم أن "لا كرامة لنبيٍّ في وطنه"!؟.
ثم من قال أن ابتهاج وفرح الفلسطينيين المسلمين بأعياد الميلاد والفصح وتهنئتهم للفلسطينيين المسيحيين يعني تخليهم عن دينهم ومعتقداتهم كمسلمين!؟. وهل يمس ذلك بهم ويسئ لهم، أم يزيدهم إنسانية واحتراما وبهاء. ها!؟. من قال ذلك!؟.
وعلى ذات الفكرة والمنوال، من الذي قال أن ابتهاج وفرح الفلسطينيين المسيحيين بأعياد الفطر والأضحى وتهنئتهم للفلسطينيين المسلمين يعني تخليهم عن دينهم ومعتقداتهم كمسيحيين!؟. وهل يمسُّ ذلك بهم ويسئ لهم، أم يزيدهم إنسانية واحتراما وبهاء. ها!؟. من قال ذلك!؟.
إذن وبناء عليه: من لا يلتزم ويحترم هذه البديهيات لا يأتي بعدها ويتبجح عن فلسطين، والانتماء، والوطن، والتحرر والحرية، والاستقلال، والأخوة، والدم الواحد، والهوية الوطنية والوحدة الوطنية والصمود ومقاومة الاحتلال، والعروبة، والكرامة، والمساواة، والعدالة.
وبعد،
هذه الأيام هي أيام الميلاد المجيد.
من على مرمى صوت يأتيني صدى احتفالات الميلاد في مدينة بيت لحم. تحملني ذاكرتي بعيدا وتعيدني سنوات عديدة للوراء. تلتمع في الذاكرة أضواء الميلاد الملونة في ساحة المهد، وخليط الناس وبهجتهم، كان قلبي الصغير يرقص. كانت أمي تقول: انتظر! الآن سيصل البطرك، أما أنا فلم أفهم ما هو البطرك، سوى أنه "شيء" ما مهم ومحترم، حتى إني لم أكن أدرك يومها أنه إنسان. لقد كان في عقلي الصغير أكثر من ذلك، والدليل هذا الصخب والازدحام وهتافات "هذا هو، هذا هو، هل تروه؟". أتطاول فلا أرى سوى جموع حاشدة تهتف، وفرق كشافة منظمة تدق الطبول و"الصحون النحاسية" فيما أحدهم يقذف عصا مزركشة في الفضاء ثم يلتقطها بمهارة. ورغم دهشة الطفل عندي، إلا أن كل ذلك لم يكن هو الذي يعنيني في الحقيقة، ما كان يعنيني قبل البطرك المحترم وبعده وأنا أتشبث بثوب أمي وأشدها نحوي بحثا عن الأمان، هي بسطات حلوى الميلاد الملونة المصطفة بجلال وإغراء على جنبات ساحة المهد وشارع النجمة صعودا من دوار المنارة على درجات سوق الخضار، الأمر الذي كان يجعل أي محاولة للتفكير بحقيقة سيدنا البطرك، بالنسبة لي، عملا لا معنى ولا جدوى منه.
كانت بسطات الحلوى تحتل مساحة عقلي ولم تترك لغبطة البطرك مكانا، ومع ذلك كنت في أعماقي أحب هذا البطرك بكل جوارحي وذلك لسبب بسيط،هو: أن حضوره أصبح مرتبطا في وعيي بحضور الحلوى، بحيث تلاشت أو تداخلت المسافة بينهما، أقصد بين البطرك والحلوى، بهذا المعنى أخذ البطرك عندي قداسته من قداسة الحلوى التي مارست معي كل أنواع الغواية لكي تجذبني إليها ونجحت بهذا نجاحا مطلقا. لاحقا اكتشفت أنه ليس بطركا واحدا بل عديدون: بطرك الروم الأرثوذوكس، بطرك أو مطران اللاتين، بطرك السريان، الأرمن...
اليوم وبعد كل هذه السنين التي مضت، لم يفقد بطركي مكانته وقداسته عندي، ولا أريد له أن يفقدها. فسقى الله ذلك الزمن.
جلست وحيدا هذا الصباح في مكتبي، وتذكرت كل ذلك، فيما كنت أتصفح الأخبار، وأنا أرشف فنجان القهوة بهدوء، أدخن وأقرأ وأسرح بعيدا وقريبا، أستعيد الأفكار والحوارات وأتذكر الأصدقاء واحدا واحدا. ألقيت نظرة على المشهد العربي والكوني العام، فهالني وأحزنني ذلك الاشتباك الطائفي والديني المرهق والرهيب، هذا الاشتباك الذي يكاد لا يبقي ولا يذر شيئا من إنسانيتنا وفرحنا، فعواء الطائفية بين الأديان وفي داخل الدين الواحد يخيم كوباء مرعب وشرس، وكأن الأديان ما أتت إلا لتحرق وتمزق وتشيع الحقد والكراهية والموت لمن لا يقبل بهيمنة تيار أو طائفة أو دين بعينه، هكذا. في عصر الجنون الطائفي والديني الجماعي المنظم والمنسق تهوى المجتمعات في هاوية الدمار الذاتي إلى درجة تثير الذعر. وكأنها تفقد ركائز استنادها وثباتها فتبدو كخلية الأميبا الرخوة.
أتذكر الآن أيام وسنوات التآلف الفطري، عندما لم نكن نلقي بالا للانتماء الطائفي أو المذهبي، هكذا ببساطة كنا نرى ذلك تكوينا عاديا من الطبيعة الأم وعار علينا الاحتجاج عليه، لم يكن يثير حساسيتنا صوت الآذان أو أجراس الكنائس، لم نكن نتحسس من الأسماء ومن اللباس، كنا نتعامل مع كل ذلك باعتباره امتداد طبيعي لجمال حقلنا الاجتماعي بذات القوة والطريقة التي تتآلف فيها أشجار اللوز والزيتون والرمان والتين والعنب على تلال بلادنا.
لم أكن أرى في جارنا أبو جميل أو أبو جورج أو صليبا إلا تنويعا طبيعيا لأعمامي الحاج عيد وأبو علي وأبو محمد، لا فرق إلا بقدر ما "يرشيني" أي واحد منهم ببعض الحلوى، عدا ذلك هم أقمار تدور في فلك طفولتي هكذا كالقدر، لم أكن أفرق في "السطو" بين تينة عمي أبو علي ومشمشة عمي أبو جورج، كما كان يبهجني ويفرحني كثيرا أن تتبادل شقيقتي مع ابنة جيراننا جورجيت الملابس الفلاحية والمدنية من باب التجريب البريء.
لا فرق، يمد أبو جورج يده إلى الطعام ويسمي بالله والعذراء والصليب وفي ذات الصحن يمد والدي يده ويبسمل، وحين يذكر النبي يصلي الجميع عليه بذات الصدق والعفوية. ينهيان طعامهما ويرفعان رأسيهما للسماء ويحمدان ربهما. تلك كانت أيام الصفاء الطبيعي الذي يحفظ الذات من الدمار والبؤس النفسي.
اليوم، يحزنني ويجرحني في أعماقي عواء الطائفية التي تمزق أشرعة السفينة وتدفعها بلا رحمة نحو صخور البؤس الأخلاقي والروحي .
كيف سمحنا للصوص الفكر والثقافة الطائفية بأن يقتحموا سفينتنا الجميلة التي كانت تبحر في هدأة الحياة بكل بهائها!؟ كيف لنا أن نحيا بعيدا عن تنوعنا وتمازجنا؟ كيف لنا أن نكون شعب يستحق الاحترام ونحن لا نحترم طبيعتنا، تاريخنا سياقاتنا، وأحلامنا المشتركة؟.
بماذا وعلى ماذا تختلف مريم عن فاطمة وأحمد عن جورج؟ أليس لهما ذات لون تراب الأرض وذات الذاكرة وذات الآلام وذات التاريخ وذات الجذور وذات الثقافة. هكذا كانوا وهكذا سيكونون.
هذه الثقافة والممارسة الطائفية والمذهبية، هي ذاتها التي تتسلل إلى عقولنا وعقول أطفالنا فتقيم المتاريس وتبني جدران القطيعة بين السني والشيعي، بين الشافعي والمالكي، بين الحنفي والحنبلي، بين اللاتيني والأرثوذكسي بين السرياني والأرمني، بين الماروني واللوثري، وتدور رحى التكفير والتهجير وتصفية الذات باسم الله وباسم أنبيائه وباسم الحقيقة التي تتأرجح مشنوقة وحيدة في فضاء التمزق النفسي والمعنوي والروحي المروع.
كم هو مثير للحزن مصير هذا الوطن ومصير هذه الأمة التي "تبدع" في دفع أسوأ ما فيها إلى سطحها، وتنسى أجمل ما فيها؛ قدرتها على الانتماء والبقاء وأن تقدم للانسانية درسا في فن الحياة، أمة أول ما تعتز بعروبتها، بأسودها وأحمرها، برجالها ونسائها، بعربيتها الفصحى ولهجاتها الممتدة من المحيط إلى الخليج، بأديانها وطوائفها ومذاهبها وتنوعها الاجتماعي. فمن بمقدوره أن يلغي من عقلي وذاكرتي ثقافتي المسيحية أو الإسلامية، من بمقدوره أن يلغي من فضائي أقواس ومقنطرات المعمار الإسلامي أو معمار الأديرة والكنائس التي ورثتها عن أجدادي في اليمن وبلاد الشام وشمال إفريقيا وبلاد ما بين النهرين؟ من بمقدوره أن يلغي ثقافتنا الغذائية المشتركة؟ من بمقدوره أن يقول بأن أثواب جداتنا وأمهاتنا المطرزة هي حكر على هذا الدين أو هذه الطائفة أو تلك؟ من بمقدوره أن يعيد صياغة أغاني أعراسنا وحصادنا وقطاف زيتوننا وطهور أولادنا وعمادهم بما يناقض ما هو في وعينا؟ من بمقدوره أن يقول لي ما الفرق بين الآية القرآنية الكريمة التي نرددها عند الفقد والموت "إنا لله وإنا إليه راجعون"، والآية التي وردت في الكتاب المقدس والتي نرددها في ذات الموقف "الرب أعطى والرب أخذ".
من بمقدوره أن يجردنا - نحن أبناء وبنات هذا الشرق العظيم – من رجع أساطيرنا الأولى التي تسافر في أعماق وعينا منذ ولادة اسطورة الخلق البابلي اينوما ايليش في بلاد ما بين النهرين:
[عندما في الأعالي لم يكن هناك سماء وفي الأسفل لم يكن هناك أرض].
من بمقدوره أن يلغي دورة الفصول والشوق بانتظار المطر وزارعة البعل في حدائقنا وحقولنا، أو أن يفصلها عن أسطورة الآلهة تيامات وإنليل وتموز وآذار وجلجامش وعناة وبعل وموث؟ كيف حينها ستنتظم الفصول وتتوالى وتتجدد المواسم؟.
يقول الكاتب اللبناني ناصر قنديل: "عندما كنا ما دون العشرين في سبعينات القرن الماضي، ما كان متيسرا أن نتعرف على طوائف اصدقائنا ولو أردنا، لأن الأسماء الدالة على الهوية الطائفية كانت نادرة ومحدودة التداول، وبالأصل كان الواحد منا يخجل من نفسه عندما يريد ذلك".
كم أفتقد ذلك الزمن، أيام كنا نتراكض في باحات مدرستنا في بيت ساحور نتقاسم اللقمة والبسمة والدمعة، لا نسأل عن طائفة أو دين، كنا نعيّد في أعيادنا جميعا، كنا نحن الأطفال المسلمون نفرح ونحتفل بأعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية والفصح "لأننا سنتغيب عن المدرسة". وكنا نحن الأطفال المسيحيون نفرح ونحتفل بأعياد رمضان والأضحى ورأس السنة الهجرية "لأننا سنتغيب عن المدرسة". هذا ما كان يجذبنا وبعد ذلك ليحتفل كل منا بأعياده كما يشاء.
كنا نتبادل التهاني والابتسامات والحب العابر للأديان والطوائف، تجمعنا لغتنا العربية الجميلة وجذورنا وهمومنا وثقافتنا وتقاليدنا وحبنا لذات الأشياء، كان الله يظللنا جميعا ويمسح بيده على رؤوسنا الحليقة بذات الحنان وأحيانا بقسوة. لم نكن نلقي يومها بالا أو نتحسس لأن صوت الآذان في مساجدنا قد ارتفع قليلا، أو لأن صوت أجراس كنائسنا قد علا بعض الشئ، فمن هو يا ترى ذلك الذي أخذ يلفت نظرنا اليوم إلى هذه التفاصيل ويعطيها أبعادا ومعان سلبية باتت تمس وتهز أعماقنا. منذ متى أصبحت الصلاة عنوانا للتحدي والمناورة والاستفزاز وتسجيل النقاط ضد أقرب الناس إلينا، بل ضد ذاتنا ذاتها!.
من يتحمل مسؤولية الإساءة لأطفالنا ويعبث ببراءتهم ووعيهم وانتمائهم في محاولة لإقناعهم بأن هناك انتماء يتعدى عروبتهم، وكأن الأديان جاءت نقيضا للعروبة ولم تولد في فضائها ورحمها.
في أعياد الميلاد أقول للمسلمين والمسيحيين في بلادي كل عام وأنتم بخير، وفي أعياد الفطر والأضحى أقول للمسيحيين في بلادي كل عام وأنتم بخير، فأي عيد عيدي يا ابن أمي إذا لم تفرح معي، وأي عيد عيدك يا ابن أمي إذا لم أفرح معك!.
أما في أعياد الحرية والاستقلال والعمال والمرأة والصيف والشتاء والربيع والخريف فأقول لجميع الناس كل عام وأنتم بخير.
في النهاية، لينهض وعينا الجمعي النائم لنستعيد انتماءنا ووحدتنا في تنوعنا الجميل بجمال قوس قزح في يوم ماطر وخصيب على هذه الأرض. أُمُّ البِدَايَاتِ أُمَّ النِّهَايَاتِ. التي كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين. وصَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين.
مؤتمر رؤى شبابية
للمهتمين: ندعوكم للمشاركة في مؤتمر رؤى شبابية،
على الراغبين بحضور جلسات المؤتمر ارسال رسالة على صفحة المنتدى تحتوي بريدهم الالكتروني وسيتم مشاركة رابط الزووم الخاص بالمؤتمر معكم حال تجهيزه بشكل نهائي

 

موقعنا

أهلاً وسهلا بكم

إتصل الآن
مركز المعلومات البديلة
111 الشارع الرئيس - سوق الشعل
بيت ساحور - بيت لحم
فلسطين
+972 2 277 5445