لعلعة وثرثرة بعض المثقفين والقوى في سوق السياسة العربي بشعارات"النأي بالنفس" و "الحياد" يعكس مستوى الهبل والجهل إذا ما أحسنا النية، والخداع والمراوغة والتوظيف مع سوء النية، وفي كلتا الحالتين، يتم تقديم هذه الشعارات بما يشبه تقديم القاذورات بورق برّاق ملون وجميل على أنها شكولاتة.
ما نلاحظة بالتجربة والممارسة، أنه لا يتم رفع هذه المفاهيم والشعارات إلا حينما وحيث تكون القوى الاستعمارية والرجعية وأدواتهما المحلية في موقع العاجز أو الضعيف، بسبب الصمود والمقاومة وموازين القوى التي تحول أو تعرقل تنفيذ مشاريع الهيمنة والاحتلال والسيطرة. في مثل هذه الحالة تبادر بعض القوى الداخلية إلى شعار "النأي بالنفس والحياد" والترويج له باعتباره نوع من "إبداع" سياسي وثقافي لتجاوز التناقضات والصعود فوقها والتفرج عليها من الشرفات براحة بال، وكأن القوى المتصارعة على كل شئ في العالم وفي الإقليم والعالم العربي، من آخر "عَظْمة في الطنجرة" وحتى الفضاء الخارجي، تخوض مبارة كرة قدم ودية لا أكثر.
والسؤال الإبتدائي أمام هذا المستوى من التذاكي الغبي لهؤلاء هو: ما معنى " النأي بالنفس والحياد" عندما تكون المواجهه محتدمة بين القوى الاستعمارية التي تستهدف تمزيق وتقسيم الأوطان والهيمنة عليها وعلى ثرواتها، والقوى التي تتصدي بكل ما تملك لهذه المشاريع والسياسات؟.
ما معنى" النأي بالنفس"، عندما تكون المواجهة بين قوى التخلف والرجعية والإرهاب الظلامي، وكل ما يمثل نقيضها من تقدم وحرية واستقلال وعدالة وكرامة قومية ووطنية وإنسانية وتماسك اجتماعي؟.
ما معنى "النأي بالنفس" عندما تكون المواجهة مع السياسة والثقافة الطائفية، وتمزيق الهوية القومية والعروبة، وتحويل المجتمع العربي إلى كازينو للنهب والإسفاف السياسي والأخلاقي والاقتصادي والسلوكي؟.
ما معنى" النأي بالنفس" حيال ما تتعرض له فلسطين والشعب الفلسطيني من احتلال وتشريد وقتل وتدمير وحصار، وما معنى الحياد والنأي بالنفس حيال ما تتعرض له سورية والعراق واليمن وليبيا ولبنان والسودان وغيرها من تدمير وقتل وتمزيق جغرافي وديمغرافي وطائفي واجتماعي...!؟.
أليس هذا هو الغباء السياسي الذي يسير طوعا نحو مصيدة " الحياد والنأي بالنفس"، فيما مستقبل المنطقة والعالم يجري تقريره بالحروب والاشتباك السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي على كل المستويات.
وعليه؛ ما هو المصير الذي ينتظر أصحاب سياسة "النأي بالنفس والحياد" عندما تستقر معادلات المنطقة والعالم وفق موازين القوى التي تقررها القوى الفاعلة في الميدان؟. أم تراهم ينتظرون المكافأة من الطرف المنتصر!. أي غباء هذا، الذي يبدأ كنوع من التذاكي السياسي ليتحول إلى تغابي، ثم يطبق كغباء لا يميز الرأس من الرجلين، فيَضيع ويُضيِّع!.
الأسئلة أعلاه حسنة النيّة إلى حد بعيد، لأنها تنطلق من فرضية غير واقعية وهي: أن هؤلاء فعلا يعون ما يقولون وهم يرفعون شعار الحياد والنأي بالنفس، فيما الحقيقة غير ذلك تماما.
فالنأي بالنفس والحياد يكون لهما معنى وقيمة إذا كان البلد أو الإنسان يملك من شروط القوة والأرادة ما يمكنه من مجابهة أية محاولات أو مشاريع تستهدف المساس بالوطن أو التطاول عليه: جيش قوي واقتصاد منتج، ومنظومة سياسية تملك الإرادة والحرية والقدرة على حماية السيادة الوطنية، مع قدرة على استغلال الثروات الطبيعية وحمايتها، إلى جانب منظومة اجتماعية تقوم على العدالة وحقوق المواطنة، أما أن يكون الوطن مستباحا جغرافيا واقتصاديا، والدولة تابعة سياسيا و"شَحّادَة"، والقوى السياسية مرجعياتها السفارات الأجنبية، حينها يصبح الحديث عن الحياد والنأي بالنفس في واقع محكوم بعلاقات القوة وموازين القوى، مجرد لغو قائم على الاستجداء وتنفيذ الشروط والأوامر.
تأسيسا على ما تقدم فإن من يرفع ويتبنى شعار "النأي بالنفس والحياد" عندما يكون الصراع على الوطن والاستقلال والكرامة والحقوق القومية والإجتماعية والسياسية والثروات الطبيعية، في مواجهة قوى الاستغلال واللصوص والفساد والهيمنة الاستعمارية والاحتلال، إنما هو آخر من يكون محايدا، ذلك لأنه وضمن الشروط الحاكمة لمعادلات الصراع إنما يقف فعليا ومباشرة في الخندق الآخر، يعني "لا محايد ولا دياولو!"، إنه مجرد
أداة تافهة لا أكثر.
لا نأي بالنفس ولا حِيادي ولا "دياولو"!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نصار إبراهيم
- الزيارات: 1465

الاراء الواردة في المواد المنشورة على صفحه مركز المعلومات البديله- فلسطين تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسه.
The opinions expressed in the articles published on the Alternative Information Center – Palestine web sites and social media, express the opinion of its author and do not necessarily express the opinion of the institution.