بقلم مدير مركز المعلومات البديلة فلسطين - نصار ابراهيم.

العقل يقول أن الأسرى الستة اجتازوا ما يشبه المستحيل وتجاوزا كل منظومات الأمن في معتقل جلبوع، ونجحوا بإبداع. وهكذا دخلت مأثرتهم هذه التاريخ والوعي وسجل الخالدين وقضي الأمر.
بالتأكيد أن أبطالا من هذا الطراز الباسل كانوا يعرفون وهم يقدمون على هذه التجربة الفذة بإرادة وعناد، أنهم لم يخرجوا ليغادروا دائرة الاشتباك الصعبة، وفي دائرة الاشتباك تبقى كل الاحتمالات قائمة بما فيها الاستشهاد أو الاعتقال. لكنهم لم يترددوا.



الكل يعرف أن دائرة الاشتباك في الحالة الفلسطينية صعبة وقاسية، فقد زج العدو فيها كل قوته لكي يستعيد توازنه ويرمم صورته التي اهتزت وأعماقه التي هُزمت، وفي السياق توجيه ضربة معنوية للحركة الأسيرة وحاضنتها الشعب الفلسطيني وقطع الطريق على ترسيخ حالة الوعي العالي في العمق الفلسطيني والعربي.
إذن هي مواجهة مفتوحة، وهي مواجهة سجال كما الحرب تماما.
اعتقال الأبطال المحررين الأربعة أمس ليس مأثرة، فكيف ستكون مأثرة حين يجند لها الاحتلال آلاف الجنود والأمن والتكنولوجيا والأدوات الرخيصة في ميدان محاصر جوا وبحرا وبرا؟
العقل يقول كل هذا كان احتمالا واقعيا تماما.
قبل أيام تخيلت وكتبت سؤالا لا بد وأن الأبطال الستة قد طرحوه على أنفسهم وهم ذاهبون إلى دائرة الاشتباك: "هل ستتحمّلون البأس إذا فشلتم وعدتم لنقطة الصّفر في اللّحظة الحاسمة؟
نظروا في وجوه بعضهم، ابتسموا وقالوا: إن حصل ذلك، سنكون كسندان يتحمل المطرقة، ونبدأ من جديد". هذه ليست فرضية خيالية، وإنما احتمال واقعي محكوم بمعادلات الواقع وموازين القوى والمقدرات.
هذا ما يقوله العقل، فماذا يجب أن يقول الوعي السياسي والشعبي والنفسي والاجتماعي في مواجهة ما يجري؟

يقول الوعي أو يجب أن يقول:
1 – لقد حقق الأسرى الستة إنجازا فلسطينيا عبقريا بكل المقاييس ومحذور المساس به.
2- المواجهة مستمرة ومتواصلة سيستخدم فيها العدو كل خبرته لتحطيم هذا النموذج ونشر الفوضى واليأس والأكاذيب، محذور الوقوع في هذه المصيدة.
3- في غمرة الاشتباك الدائر سيبذل العدو المستحيل لتمزيق الحالة الشعبية الفلسطينة ونشر الشك في محاولة لدفن هذا الانجاز تحت فوضى الفتنة وحرف النقاش من خلال تغذية التناقضات الداخلية. محذور الانجرار لهذا الدائرة الجهنمية.
4- الوعي يقول: عند مواجهة البعض التافه والساقط، ومثل هذا البعض موجود هنا وهناك كما في أي شعب أو مجتمع، محذور التعميم والمساس بكرامة شعبنا وروحه المقدامة وانتمائه ووفائه بأي شكل من الأشكال. لنتجاوز سيكولوجيا الذاكرة المثقوبة والهبل وردود الفعل السطحية والحمقاء. المطلوب الارتقاء بمستوى المسؤولية برصانة وثقة. لنتذكر حقل التاريخ الممتد من المقاومة والعناد والصبر والتضحية والانتماء والوفاء في كل مدن وقرى ومخيمات فلسطين. الناصرة وأهلها وكل شعبنا في 48 هم حبة العين ونبضة القلب كما الضفة وغزة.
5- الوعي يقول: أن قضية الأسرى الفلسطينيين وحريتهم لا يجب أن تكون مرهونة بحدث مفاجئ أو حالة عابرة، بل هي في قلب معادلات الصراع سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا وإنسانيا، هذا يعني أن على جميع القوى الفلسطينية والشعبية والثقافية أن تحرس قضيتهم وحريتهم وأن تبقي هذا الحساب مفتوحا مع الاحتلال كل ساعة ودقيقة. فقضية أسرى الحرية هي قضية فلسطين المقدسة ذاتها. المساس بها هو مساس بفلسطين ذاتها.