2 أيلول 
اليوم رحل ميكيس ثيوذوراكيس، ابن اليونان الوفيّ والزمن العالي.
في تلك الأيام كنا نجد أمثال ثيوذوراكيس يأتون إلينا، إلى فلسطين، يقاومون معنا بأدبهم وفنهم وثقافتهم، كان ذلك يوم كانت المقاومة الفلسطينية مدرسة وطليعة مقدامة لكل أحرار العالم.
يقال أن الفن والأدب هو ابن دورته البيولوجية الاجتماعية. ثيوذوراكيس هو النموذج الساطع لهذه البديهة.


عام 1972 حملت ثقافتي البدوية الرعوية الزراعية وسافرت من فلسطين/بيت ساحور إلى اليونان مع مجموعة من أصدقائي. عشت ثماني سنوات في مدينة ثسالونيكي عروس الشمال اليوناني في جامعة أرسطو طاليس.

في تلك الأيام كانت اليونان تخضع لحكم عسكري ديكتاتوري قمعي بعد الإنقلاب الذي قاده الجنرال الفاشي جورج باباذوبلوس عام 1967 واستمر حتى عام 1974.
أذكر جيدا تلك الأيام. أذكر رعب الحركة الطلابية وخاصة القوى اليسارية والشيوعية، التي كانت تتعرض للملاحقة والاعتقال والتعذيب والقتل..
في تلك الأيام تم منع أغاني المقاومة الشعبية اليونانية ضد النازية، ومنعت أشعار يانيس ريتسوس وموسيقى ميكيس ثيوذوراكيس.
كنا نلتقي كطلاب رفاق وأصدقاء وزملاء ( فلسطينيون وعرب ويونانيون) في الأمسيات، نغلق النوافذ ونسدل الستائر ونشغل أشرطة التسجيل بصوت منخفض ونستمع لموسيقى ثيوذوراكيس ونغني على ألحانه قصائد الشاعر الشيوعي ريتسوس التي غناها جورج دالاراس، والكريتي نيكوس كسيلوريس، وماريا فراندوري وغيرهم. كنا نتبادل أشرطة تسجيل ألحان ثيوذوراكيس والكتب اليسارية والماركسية سرا.
استمرت المقاومة التي شكلت الحركة الطلابية اليونانية اليسارية والليبرالية طليعتها المقدامة والشجاعة التي تراكمت وانفجرت على شكل انتفاضة الطلاب الأثينيين في كلية الهندسة عام 1974 ، واقتحمت دبابات الحكم الفاشي الجامعة فسقط مئات الطلاب شهداء وجرحى، فامتد لهيب الانتفاضة وانتقلت إلى كل جامعات اليونان، ثم امتدت إلى الشارع في مدن وقرى اليونان في مشهد عصيان مدني كفاحي مدهش. إلى أن توج كل ذلك بسقوط حكم جورج باباذوبلوس عام 1974 وتم اعتقاله ومحاكمته هو وقادة النظام الفاشي.
في تلك الأيام المجيدة تعلمت أبجديات الوعي السياسي. الذي تراكم وتطور لوعي فلسفي وثقافي وسلوكي... هناك قرأت رواية زوربا اليوناني لكزانتزاكيس، وشاهدت لأول مرة الفيلم والرقصة الشهيرة التي لحنها ثيوذوراكيس وأداها بإبداع الممثل الأمريكي المكسيكي العالمي أنتوني كوين.
ميكيس ثيوذوراكيس هو ابن السياقات التاريخية والحضارية بامتياز، إبداعه يرتكز على انتماء ووفاء للإرث العظيم لليونان: أثينا، ثيسالونيكي، سبارطة، طروادة، بيترا، الأكروبوليس، أوليمبوس جبل الآلهة. هو الامتداد الإبداعي لروح اليونان العميقة؛ الإلياذة والأوديسة، زيوس، أثينا إلهة الحب والجمال، آريس إله الحرب، بوسيدون إله البحر، ابنهم نصف الإله "هيراكليوس"، و أخيليوس (أخيل)، البطل الأسطوري في حروب طروادة، هيكتور، أوديسيوس حبيب وزوج بنيلوب ملك إيثاكا التي خلدها الشاعر المصري اليوناني قسطنطين كفافيس الذي عاش في الأسكندرية في قصيدة بذات العنوان: "إيثاكا".
في الأعياد كان أصدقائي يدعونني لبيوتهم في القرى والضيع، بلدات بسيطة وأليفة، فأجد قلوبهم مفتوحة لي قبل بيوتهم، فلاحون، عمال، معلمون، أطباء ومهندسون. يشربون القهوة والنبيذ ، يضحكون من قلوبهم، ينظرون في العينين مباشرة ويتحدثون بصداقة وصراحة وشرف. كيف لا وأنا ابن فلسطين وقريبي هو السيد المسيح! كيف لا وأنا الفلسطيني المحتل واللاجئ! كيف لا وهم شعب جرب معنى الاحتلال التركي والنازي، وقاوم ما استطاع سبيلا.
هذا هو ميكيس ثيوذوراكيس الذي وقف مع فلسطين وشارك في تلحين نشيدها الوطني وهو يتباهى بالكوفية الفلسطينية. ثيوذوراكيس هو الإبن الوفي لملحمة شعب اليونان الجميل، البسيط، الطيب، الشجاع، الموغل في التاريخ والحضارة.

وداعا ثيوذوراكيس، ابن اليونان الوفي والزمن العالي. لك المجد ولروحك سلام.