ثقافة الخداع الرأسمالي. قصف تمهيدي مركّز لوعي وعقول الشعوب، خاصة الشباب، بصورة مستمرة، وصولا إلى احتلالهم والسيطرة عليهم عبر إغراقهم في الثقافة الاستهلاكية وتحويل القيم إلى سلع وفق قانون السوق الرأسمالي؛ الأنانية، السطحية، الاغتراب، "الشاطر يكسب"، الحرية الفردية الخالية من "دسم" الحرية القومية، الكرامة الوطنية، العدالة والمسؤولية الاجتماعية.
سياسة الخداع الرأسمالي المتوحش، دينها الربح ومراكمة وتركيز رأس المال المالي، وفي سبيل هذا الهدف كل شئ مباح ومبرر: تسليع وتشييئ كل شئ، الإنسان، المرأة، الدواء، الهواء، الماء، الطبيعة، رفع القيمة التبادلية للسلعة على حساب قيمتها الاستعمالية الحقيقية، شرعنة الحروب، الاحتلال، النهب، السيطرة، القتل، الكذب، الخداع، تدمير كوكب الأرض.

مقابل ذلك تزينوا بخرز الرأسمالية الملون وتباهوا بأكياس التسوق البلاستيكية بماركاتها الشهيرة. المهم تركيز الثروة بكل الطرق

:وبصورة أبسط يمكن تكثيف ثقافة الخداع الرأسمالي هذه باستخدام محمود درويش معكوسا

وأنت تعد فطورك، (لا) تفكر بغيرك... (وانسَ قوتَ الحمام)

وأنت تعود الي البيت، بيتك، (لا) تفكر بغيرك... (وانسَ شعبَ الخيام)

وأنت تحرر نفسك بالاستعارات، (لا) تفكر بغيرك... ولا (بمن فقدوا حقهم في الكلام).

:مأساة هذه الثقافة والممارسة الرأسمالية في أحدث طبعاتها الوحشية "النيوليبرالية" عبّر عنها بصورة رائعة، كثيفة ومدهشة من واقع الحال والتجربة التاريخية القريبة الفيلسوف والروائي التشيكي/الأميركي "أندريه فليتشك"، كتب يقول

"ونحن نحطّم جدار برلين، كنّا نظنّ أنّنا نقتحم باب الحرية، فإذا بنا نقتحم باب السوق الذي أصبحنا سلعاً فيه (هاينر موللر)"

!!!كيف قمنا ببيع الاتّحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا، مقابل أكياس التسوّق البلاستيكيّة 

لقد ولدت في لينينغراد، أمّي نصف روسية ونصف صينية (فنانة ومهندسة معمارية)؛ كان والدي عالماً نوويّاً؛ كانت طفولتي مشتركة بين لينينغراد وبيلسن، بيلسن مدينة صناعية تقع في الطرف الغربي مما كان يدعى تشيكوسلوفاكيا

.كانت المدينتان مختلفتين.. كلّ منهما تمثّل شيئاً أساسيّاً في التخطيط الشيوعي، وهو نظام قام دعاة الغرب بتعليمنا أن نكرهه

.لينينغراد هي واحدة من أكثر المدن إثارةً للدهشة في العالم، حيث تضمّ أكبر المتاحف ومسارح الأوبرا والباليه والساحات العامّة

.بيلسن مدينة صغيرة الحجم، ويبلغ عدد سكانها 180.000 نسمة فقط؛ ولكن عندما كنت طفلًا، كانت تضمّ العديد من المكتبات الممتازة ودور السينما ودار الأوبرا والمسارح الطليعية والمعارض الفنية وحديقة حيوانات مخصّصة للبحث والأشياء التي لا يمكن أن نجدها (كما أدركت لاحقًا بعد فوات الأوان ) حتى في المدن الأميركية التي يبلغ عدد سكانها مليون نسمة

..كان لدى المدينتين (الكبيرة والأخرى الصغيرة)، وسائل نقلٍ عامٍّ ممتازة، وحدائق واسعة وغابات في أطرافها، كان في بيلسن عدد لا يحصى من مرافق رياضة التنس، وملاعب كرة القدم، وحتى ملاعب الريشة الطائرة، وجميعها مجانية

.كانت الحياة جميلةً، وكان لها معنًى؛ كانت غنيةً؛ ليس بالمال، ولكنها غنية على الصعيد الثقافي والفكري والصحّي.. كانت المعارف المجانية بمتناول الجميع وبسهولة، والثقافة في كلّ زاوية من الشوارع، والرياضة للجميع. كان الإيقاع بطيئاً؛ كان هناك الكثير من الوقت للتفكير والتعلّم والتحليل (لكنها كانت أيضًا ذروة الحرب الباردة)

كنّا شبانًا متمردين يسهل التلاعب بهم. لم نكن راضين أبدًا عمّا أُعطي لنا. لقد أخذنا كلّ شيء كأمر مسلّمٍ به. كنّا نلتصق بأجهزة استقبال الراديو، في الليل، لنستمع إلى إذاعة بي بي سي، صوت أمريكا، راديو أوروبا الحرّة وخدمات البثّ الأخرى التي تهدف إلى تشويه سمعة الاشتراكية ..

وأتذكر حينها كيف قامت المجمّعات الصناعية الاشتراكية التشيكية ببناء مصانع كاملة، من مصانع الحديد إلى مصانع السكّر، في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا من منطلق التضامن. لكننا لم نكن نرى أيّ مدعاةٍ للفخر في ذلك، لأن أجهزة الدعاية الغربية كانت تسخر ببساطة من مثل تلك المشاريع .

كانوا يعرفون، وما زالوا يعرفون اليوم، كيفية التلاعب بأدمغة الشباب .

في لحظةٍ ما، تحوّلنا إلى شبابٍ متشائم، ننتقد كل شيء في بلادنا، من دون مقارنة، حتى من دون القليل من الموضوعية ..

في ذلك الوقت، أضحت أكياس التسوّق البلاستيكية الغربية رمزًا للمكانة الاجتماعية !!!!!!!!!! تعرفونها؛ هذه الأكياس التي نجدها في بعض المتاجر أو المخازن الكبرى الرخيصة.

عندما أفكر في الأمر، بعد بضعة عقودٍ، لا أكاد أصدّق ذلك: شباب وشابّات متعلّمين، يسيرون بفخرٍ في الشوارع، ويعرضون أكياس التسوّق البلاستيكية الرخيصة التي دفعوا مقابلها أموالًا كبيرة. لأنها آتية من الغرب!! لأنها ترمز إلى النزعة الاستهلاكية! لأنه قيل لنا أن النزعة الاستهلاكية أمر جيد !

قيل لنا إنه يجب أن نرغب في الحرية. الحرية على الطريقة الغربية. قيل لنا إنه يجب علينا "النضال من أجل الحرية".

من نواحٍ كثيرة، كنّا أكثر حريةً من الغرب. أدركت هذا عندما وصلت إلى نيويورك ورأيت مدى ضعف تعليم الأطفال الذين في عمري، ومدى سطحية معرفتهم بالعالم. كما كان هناك القليل من الثقافة في مدن أميركا الشمالية متوسطة الحجم، ونسبة كبيرة من الأمية .

"كنا نريد، كنا نطالب بالجينز من العلامات التجارية المعروفة، كنا نرغب بوجود الأسطوانات الموسيقية الغربية الإنتاج؛ لم يكن الأمر يتعلّق بالجوهر ولا بالرسالة. كان العمى؛ لقد أعمتنا الدعاية الغربية"