كأننا كنا نواجه غضب الطبيعة، زلزالا أو بركانا أو إعصار، وما كنا نفعل شيئا باستثناء دفن الموتي وتطبيب المصابين ورفع الأنقاض والانتظار. كنا ننتظر بصبر لا يفرغ حتى يبدأ ضمير العالم أو حتى ضمير إسرائيل ذاتها في الأنين فتتوقف أداة القتل والدمار الإسرائيلية عن العمل. حتى القاضي اليهودي شبه الصهيوني غولدستون لم يستطع في العام 2010 إلا الاستنتاج بأن أعمالاً وحشية بربرية وجرائم حرب صريحة قد وقعت بحق القطاع دون أن يمنع ذلك إسرائيل من الإفلات عندما سحبت السلطة الفلسطينية ذاتها الشكوى المقدمة بحق ذلك الكيان.

كانت الكارثة "الطبيعية" الأضخم والأكثر وحشية وتدميراً هي كارثة 2014، ولا بد أن العدوان الأخير شهد لطفاً إسرائيلياً استثنائياً. لماذا؟ نتوهم أن السبب المباشر هو أن إسرائيل لم تجد يدها طليقة بالكامل مثلما كان يحدث في الاعتداءات السابقة، بل إننا لنجرؤ على القول إن المواجهة الأخيرة لم تكن اختياراً إسرائيلياً بقدر ما كانت قراراً من المقاومة، وهو ما يتفارق تماماً مع المواجهات السابقة كلها التي فرضتها إسرائيل من ناحية تحديد تاريخ انطلاق الطلقة الأولى الأخيرة على السواء. هذه هي المرة الأولى التي بادرت المقاومة فيها إلى إشعال فتيل المواجهة، كما كان لها رأي صغير أو كبير في إعلان وقف إطلاق النار الذي حاول إعلام المقاومة أن يوحي لنا بأنه تحقق بعد التزام إسرائيل بوعود معينة. في الأحوال كلها سواء وعدت إسرائيل أم لم تعد فإن هذا لا يعني في ذاته شيئا، وإذا كان نتانياهو قادرا على إخلاف الوعد بدون تلقي عقوبة من المقاومة فسوف يتراجع عن التزاماته كلها دون شك. ألم يقم كبيرهم دونالد ترامب بالتراجع عن الاتفاق النووي مع إيران ناهيك عن العديد من الاتفاقيات مع روسيا والمنظمات الدولية ؟!

كان عدد الضحايا في غزة وعدد المباني المهدمة وحجم الدمار هذه المرة صغيراً جداً بالمقارنة مع المواجهات السابقة، ولكنه على الرغم من ذلك يظل ضخماً جداً عند المقارنة بالخسائر التي لحقت بإسرائيل. وهكذا فإن أصواتاً كثيرة تتساءل عن النصر المزعوم خصوصا إذا ثبت أنه لا يوجد أية تفاهمات ملزمة لإسرائيل فيما يتصل بملف الشيخ جراح أو مسجد الأقصى.

لهذه الأسباب يرى المشككون من أكثر من اتجاه أن نصراً لم يتحقق، وأن الخسائر في أوساط الفلسطينيين هائلة، وأن القدس لم يتغير عليها شيء، ناهيك عن جبن المقاومة اللبنانية وتقاعسها ونذالتها. هؤلاء المشككون يريدون حرباً فورية تهزم إسرائيل هزيمة واضحة كالشمس: يريدون نصرا واضحا كانتصارات الاسكندر المكدوني أو خالد بن الوليد، يريدون نصراً ينتهي بهرب العدو المهزوم بخيله وافراده، ونزولنا نحن عن الجبل لكي نجمع الغنائم. وإذا لم نقدم لهم ذلك النصر على طبق من ذهب عيار 27 فسوف يشككون في المقاومة وفي أدائها وفي غاياتها وصولا إلى استعادة حلمهم الخالد بمواصلة المفاوضات والمقاومة السلمية "الاخلاقية" بغرض إحراج إسرائيل إلى الأبد أو إلى أن يتم تطهير فلسطين.

للأسف، معسكر الناقدين لعبثية المقاومة يربح: إن نصرا من النوع الذي يريده هؤلاء، وبينهم عرب وفلسطينيون، لم يقع، وربما لن يقع أبدا. ذلك أننا لا نعيش في زمن القتال بالسيف والقوس والرمح والنشاب عندما كانت المعارك تستغرق يومأ أو أيام قليلة وتنتهي بهزيمة شاملة نهائية لأحد الفريقين. نحن في زمن آخر يمكن أن تستمر فيه الحروب، خصوصا حروب التحرير، عقودا من الزمن. ولا بد أن مراكمة عناصر القوة حتى اندحار العدو المحتل وتحرير الوطن شيء لا يشبه حروب خالد بن الولدي والزير سالم في شيء. لقد تحررت فيتنام بثورة عظيمة، قد تكون الأعظم في التاريخ الحديث، ولكن أمريكا لم تنهزم أبدا بالمعنى الذي يريده إخوتي المشككين في انتصار غزة. بالعكس فقد استشهد أكثر من مليون فيتنامي مقابل مصرع 50 الف جندي أمريكي، وتم تدمير فيتنام وترابها واقتصادها لعقود كثيرة . لكن أمريكا اندحرت. وقد تحررت الجزائر بدون أن يزحف الثوار من أجل احتلال باريس، وما حدث ايضا هو اندحار المحتل. إذن يتلخص الحلم في حرب التحرير المشرعة تجاه قوة محتلة متفوقة باندحار الاحتلال، وليس هزيمته على نحو فاصل كما حدث عندما دخلت قوات الحلفاء إلى برلين سنة 1945 على سبيل المثال.

حرب التحرير تعني تسجيل النقاط على نحو تراكمي حتى نصل إلى لحظة الفصل النوعي التي تعني تسليم العدو بانتهاء أي أمل له في العيش الآمن المربح في البلاد المغتصبة. ونحن من هذه الناحية سجلنا نصرا واسعا لا سابق له.

بالطبع هذه جولة لا سابق لها بالنسبة لفلسطين، وإن لم تكن الأولى عربيا بالنظر إلى جولات متعددة ربحتها المقاومة اللبنانية.

وتعد هذه الجولة هي الأولى التي يتمكن فيها فريق فلسطيني من مقارعة العدو الصهيوني بكفاءة وذكاء وإلحاق الأذى الفعلي به. وهذا ارتقاء عظيم بالفعل، ولا يمكن ولا يجوز التهوين من أمره أبدا إلا بنية سياسية سيئة تصل إلى مستوى التآمر لإجهاض حمل المقاومة المبشر. ويمكن لنا في مواجهة التشكيك أن نذكر عدداً مهماً من النقاط التي سجلتها المقاومة لمصلحتها الخاصة ومصلحة فلسطين العامة.

أولا: شهدت حقبة ترامب تراجعا واضحا لأهمية فلسطين إلى درجة أن نقل السفارة إلى القدس لم ينجح في تحريك أحد بمن في ذلك أهل فلسطين ذاتها على الرغم من الدعوات اليائسة والتائهة التي أطلقتها القوى السياسية الفسطينية التي تتوهم أن الجماهير "تعمل عندها" وتأتمر بأمرها لتستعملها ورقة للمساومة عند اللزوم. في المواجهة الأخيرة كان هناك صحوة عالمية اضطرارية تجاه قضية فلسطين بسبب أن اليهود "الأبرياء" قد عاشوا الخوف والملاجئ وأصيب عدد منهم وقتل عدد آخر. هكذا عادت فلسطين عبر بوابة "المعاناة الإسرائيلية" لتطلب حلا أو وعدا غامضا بالحل يتقدم به زعيم واشطنون الجديد السيد جوزيف بايدن صاحب الميول الصهيونية المعروفة.

ثانيا: ربحت القضية الفلسطينية وشعب فلسطين التأييد الأكبر منذ وقت طويل في ساحات كثيرة، بما في ذلك مدن الولايات المتحدة ذاتها التي شهدت حراكا مهما في دعم فلسطين، بل إن الحزب الديمقراطي الحاكم واجه لأول مرة ما يشبه الانقسام الحاد بين جناحين يميني ويساري فيما يخص تأييد الحق الفلسطيني ومقاومة الاغتصاب الصهيوني.

ثالثا: خرجت الشعوب العربية في أقاليم كثيرة لتدعم فلسطين ومقاومتها، وقد شهدنا تحركا مميزا بالفعل في الأردن ولبنان ومصر والعراق وسورية واليمن وتونس والمغرب ...الخ، وبدا في سياق ذلك أن الدول العربية وحكوماتها تتعرض لضغط جماهيري حقيقي من أجل فلسطين، وهو ما كاد يختفي تقريبا منذ سيادة عصر ما بعد "الربيع" المشؤوم.

رابعاً: خفت إلى حد كبير صوت المطبعين العرب في الإمارات والسودان والبحرين..الخ وبدا أن المقاومة قد أحرجتهم أو قتلت حيوية مشروعهم وهي تثبت حضورها الفاعل الشجاع في وجه الاحتلال بما يعلن على رؤوس الأشهاد أن الساحة ليست فارغة ليتقدم من يتقدم ويعزف ألحانه النشاز كما يشاء ويشتهي.

خامساً: أخرجت المواجهة الأخيرة الشعب العربي الفسطيني في أماكن تواجده كلها من حالة الإحباط النفسي واليأس والميل للاذعان للأمر الواقع، كما كشفت له أن المستقبل حمال أوجه، وأن هناك احتمالا تاريخيا فعليا للتحرير، وقد عبر عن تلك الروح أكثر من مثقف ومفكر ومحلل انتشر من بينهم جماهيرياً تسجيل صوتي للشاعر تميم البرغوثي يبشر بإمكانيات النصر الفعلية.

سادساً: انضم الداخل الفسطيني على نحو مدهش للحراك في القدس بمقدار تفوق إلى حد كبير على الضفة الغربية التي اعتادت أن تكون مركز الحدث الجماهيري. بدا واضحا وللمرة الأولى أن أهل فلسطين من البحر إلى النهر كتلة سياسية واحدة متجانسة تناضل في وقت واحد لأجندات متشابهة وتقترب من التماثل.

ذه مجموعة من المكتسبات الفورية الواضحة التي دفعت المقاومة وجماهير غزة المدنية ثمناً باهظاً من أجلها. وليس من داع هنا لأن نقول كلاماً بدهياً من قبيل إن فاتورة المقاومة وصولاً إلى التحرير فاتورة باهظة جداً، وإن من يقول عكس ذلك واهم أو أنه يريد إيهام الشعب بأن التضحيات ليست ضرورية أو أنها ممكنة التجنب، بما يعني دفعه إلى الطريق الأخرى المعادية للمقاومة والموافقة على الاستسلام دون قيد أو شرط.

source:
https://www.alhadath.ps/article/140602/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1-%D8%A8%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%B1-%D8%A8%D9%82%D9%84%D9%85-%D9%86%D8%A7%D8%AC%D8%AD-%D8%B4%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%86?fbclid=IwAR23SrHwhnR_6nG2yf41ijKLVQowZWPkq6uV0uMzqxE0FnXD4Tl4qPRfzFY