بقلم: راسم عبيدات.

أصبحت المجابهة في العيسوية مع جيش وشرطة الاحتلال ومخابراته وأجهزته المدنية والأمنية نمط حياة وثقافة.

المحتل في القدس لا يقدم للعرب المقدسيين غير الحلول الأمنية، فهو يعتبرهم فقط تجمعات سكانية مجردين من أية حقوق، وهمه الأساس كيفية محاصرتهم وحملهم على الهجرة او الطرد والترحيل القسري... لا تراخيص بناء تستجيب للزيادة السكانية ولا إقرار لمخططات هيكلية تستجيب للزيادة السكانية أيضاً وأرض تجري مصادرتها من أجل إقامة حدائق تلمودية وتوراتية، او من أجل إقامة أبنية استيطانية، ولا مرافق ولا خدمات عامة، وعملية هدم للمنازل لا تتوقف والحجج والذرائع ان البناء غير مرخص، وكذلك إخطارات بالهدم شبه دائمة مع غرامات باهظة على البناء غير المرخص، والذي في النهاية بعد استنزاف المواطن مادياً تهدمه جرافات وبلدوزرات الاحتلال، ويتكفل المواطن بتكاليف القوات والآليات التي هدمت منزله، او يجبر على هدمه ذاتياً.

المهم "حلب" السكان ضرائبياً وخدمات لا تساوي سوى 7 -8 % من قيمة الضرائب التي تجمع من السكان والتي تذهب لـ"تسمين" المستوطنات المقامة على الأرض الفلسطينية او للتطوير والتحسين في القسم الغربي من المدينة ... واقتحامات يومية ومداهمات وتفتيش وقمع وإذلال واعتقالات وإبعادات ضمن سياسة الاحتلال واجهزة مخابراته لسان حالها يقول من لا يخضع بالقوة، يخضع بالمزيد منها. 1300 مواطن ما بين طفل وفتى وشاب جرى اعتقالهم من العيسوية خلال عام ونصف، في مؤشر على أن الاعتقالات طالت كل بيت وأسرة في العيسوية وحوالي 15 عشر مواطنا فقدوا عيونهم نتيجة إطلاق الرصاص المطاطي عليهم ... والهدف هنا واضح كسر إرادة أهالي العيسوية وتحطيم معنوياتهم، حتى لا يشكلوا أنموذجاً مقدسياً يحتذى به في المقاومة الشعبية.

يخوض أهالي العيسوية وكل مكوناتهم ومركباتهم الوطنية والمجتمعية مقاومتهم الشعبية، ليس من خلال بيان أو قرار فوقي مُسقط عليهم، بل ان هذا القرار والخيار نابع مما يواجهونه على أرض الواقع من قمع وبطش وتنكيل من قبل أجهزة الاحتلال المدنية والأمنية، وكأن المحتل يقول لن نسمح ان تعمم تجربة العيساوية في المقاومة الشعبية على باقي قرى وبلدات مدينة القدس.

والعيسوية لم تعد مقاومتها فقط فوقية او نخبوية ومقتصرة على القوى والأحزاب واعضائها وجمهورها ومناصريها، بل أضحت ثقافة عامة يشترك فيها اوسع طيف من السكان لشعورهم بان المحتل يستهدف وجودهم ويريد اقتلاعهم وطردهم. المحتل يرفض التعاطي مع أية أجسام شرعية تعبر عن هموم السكان وحقوقهم ومطالبهم، بل يريد منهم التعاطي مع اجهزة ومؤسسات مرتبطة به مباشرة، لكي يحكم السيطرة على تفاصيل حياة السكان اليومية اقتصادية واجتماعية، والتي يجري ربطها من خلال مؤسساته المدنية والأمنية، مراكز وشرطة جماهيرية ولجان إصلاح مرتبطة بشرطته، وكذلك لجان ومؤسسات ما يسمى بالرفاه والتطوير الإجتماعي، والتدخل في أدق تفاصيل المشاكل الأسرية والعائلية، وحتى الخلافات العشائرية، بات هناك شرطة جماهيرية تمارس دورها في هذا الجانب.

بلدة تعيش اكتظاظا سكانيا وسط طرق وشوارع ضيقة تؤزم وتعيق حركة السير والبنى التحتية غير متوفرة والناس يتكدسون فوق بعضهم البعض، وكأن ذلك شكل من أشكال العقاب، واحتلال يفرض إرادته ووجوده على السكان بخلاف رغبتهم، وهم يعرفون انفسهم على انهم مواطنين تحت الاحتلال، وأرضهم لن يبرحوها، ومحتل يراهن على سياسة البطش والقمع والإخضاع والتطويع والمتغيرات الدولية والإقليمية والعربية وضعف وتشظي الحالة الفلسطينية لكي يخّير سكان البلدات الفلسطينية في القدس، ما بين ان يعيشوا في المدينة في "جيتوهات" و"معازل" مغلقة في محيط اسرائيلي واسع، من خلال إقامة المستوطنات التي تفصل قراهم عن بعضها البعض، محولاً إياها الى وحدات اجتماعية مستقلة، ومضعفة الروابط الاجتماعية والوطنية بينها، بحيث يصبح الهم الخاص والعشائري والجهوي يطغى على الهم الوطني العام، أو عبر إقامة الأبنية والبؤر الإستيطانية في قلب قراهم واحيائهم، النماذج صورباهر المكبر سلوان شعفاط الطور وغيرها من القرى والبلدات المقدسية.

في ذروة الهبات الشعبية التي شهدتها مدينة القدس من هبة الشهيد محمد ابو خضير، تموز 2014، وحتى هبة إعادة فتح باب الرحمة، تشرين ثاني 2019، حيث العيسوية مشارك رئيسي في تلك الهبات، وتعرضت للعقوبات الجماعية لفترات طويلة، ولمسلسل طويل من القمع والتنكيل وكذلك الحصار والتجويع، مما اضطر مجموعة من القادة الأمنيين والعسكريين الإسرائيليين المتقاعدين وعضو الكنيست والوزير السابق حاييم رامون ومن بعده الوزير الليكودي زئيف الكين المنشق حالياً عن الليكود وزعيم حزب العمل المتلاشي السابق اسحق هيرتسوغ وعضو الكنيست عن الليكود عنات باركو لطرح مشاريع الإنفصال عن أغلب القرى والبلدات المقدسية في القسم الشرقي من المدينة، بحيث يجري حشر سكانها في معازل خاصة تتحكم اسرائيل في مداخلها ومخارجها، ولكن قوى اليمين واليمين المتطرف رفضت ذلك واعتبرت ذلك تخليا عن فكرة القدس الموحدة كعاصمة لدولة الاحتلال، وبأن ذلك سيقود الى تقسيم المدينة من جديد، أو يترك أحلاماً وامالاً عند السلطة بما يعرف بحل الدولتين.

اليوم واضح بأن درجة " التوحش" و" التغول" الصهيوني على القرى والبلدات المقدسية وفي المقدمة منها العيسوية كبيرة جداً، حيث يشعر المحتل بأن كل الظروف تشكل له فرصة كبيرة لفرض شروط وإملاءاته وتنفيذ مشاريعه ومخططاته، حيث الإدارة الأمريكية المتصهينة بقيادة المتطرف ترامب نقلت سفارتها من تل أبيب الى القدس واعترفت بها عاصمة لدولة الاحتلال، ومخططات الضم تسير بوتائر كبيرة، والنظام الرسمي العربي في أوج ضعفه وانهياره ويهرول نحو تطبيع علاقاته العلنية مع دولة الاحتلال ورسم تحالفات أمنية وعسكرية معها، ولا يكترث لتنفيذ مشاريع ومخططات اسرائيل في مدينة القدس، بما فيها المتعلق بتقسيم الأقصى. ولذلك فإن دولة الاحتلال في حالة هجوم مستمر،والعيسوية تقع في مقدمة الاستهداف الصهيوني.

العيسوية لم ترفع الراية البيضاء ولم تستلم رغم كل اشكال العقوبات والمعانيات التي تعرضت لها وفتيتها وشبابها واهلها تفولذوا في معمان النضال المستمر، وهم أصحاب إرادة وحلم، والعيسوية تقاتل بلحمها ودمها وتدفع الثمن أسرى ومعتقلين ومبعدين وشهداء واقتحامات ومداهمات وهدم منازل وعقوبات جماعية ولكن يمتلك اهلها إرادة الصمود.


http://www.alquds.com/articles/1611040585801175900/?fbclid=IwAR3aux5pwF5bK4gTiC_w0DIUTcc4dCiUZxmClv0JixMjCrSvlnSnhKJmbIw