اقتحام الكونغرس ونهاية تاريخ فوكوياما!
نصار إبراهيم
9 كانون ثاني 2021


الأحداث التي تابعها العالم ساعة اقتحام أنصار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمبنى الكونغرس "الكابيتول هيل"، يوم 6 كانون ثاني 2021، وما رافق ذلك من من ذعر وفوضى وارتباك واشتباكات وسقوط ضحايا وتكسير وسرقة، كان مشهدا لا ينسى في عاصمة "الديمقراطية الليبرالية الغربية" واشنطن. بل وامتد الذعر إلى كل بلدان الديمقراطية الليبرالية الغربية(إيطاليا، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، كندا، استراليا، .......) التي تقدس النموذج الأمريكي باعتباره الأجمل والأكمل والدائم للديمقراطية الغربية منذ عقود طويلة، والدليل: تمثال الحرية في نيويورك.
إذن كيف يحدث هذا في عاصمة الدولة التي "توزع الديمقراطية" على كل شعوب العالم!؟.
وكي لا ننسى لنتذكر: "سلفادور إلندي في تشيلي، محاولات إسقاط كوبا، ونيكاراغوا، والمكسيك، وبنما، وغانا نكروما، وإيران مصدّق، وإندونيسيا سوكارنو، وسيريلانكا باندرانيكا، وغيرها الكثير من الأنظمة الوطنية الديمقراطية التي أطاحت بها الولايات المتحدة خلال عقود سابقة .
ثم أنجبت الولايات المتحدة من جملة من أنجبتهم، غوايدو في فنزويلا، وبينوشيه في تشيلي، وباتيستا في كوبا، وعائلة تروخيليو في جمهوريات الموز، وماركوس في الفلبين، والشاه محمد رضا بهلوي في إيران، وسوهارتو في اندونيسيا، وحسني الزعيم في سورية، بالإضافة الى عشرات الدمى في العالم العربي وبلدان العالم الأخرى" (د. عدنان منصور - الديمقراطيّة الأميركيّة: الحقيقة والوهم! – صحيفة البناء اللبنانية – 8 كانون ثاني 2021).

في عام 1989، نشر الفيلسوف السياسي الأميركي فرانسيس فوكوياما في دورية "ناشونال إنترست" (National Interest) مقالة بعنوان "نهاية التاريخ" يقول فيها "إن تاريخ الاضطهاد والنظم الشمولية قد ولى وانتهى بغير رجعة مع انتهاء الحرب الباردة وهدم سور برلين، لتحل محله الليبرالية وقيم الديمقراطية الغربية".
وأضاف أن الديمقراطيَّة الليبراليَّة بقِيَمها عن الحرية، الفردية، المساواة، السيادة الشعبية، ومبادئ الليبرالية الاقتصادية، تُشَكِّلُ مرحلة نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان، وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغةٍ نهائيةٍ للحكومة البشرية. والمقصود بذلك هو وجود إجماع عند معظم الناس بصلاحية وشرعية الديمقراطية الليبرالية، أي انتصارها على صعيد الأفكار والمبادئ، لعدم وجود بديل يستطيع تحقيق نتائج أفضل.
لا أدري ما الذي سيقوله لنا اليوم صاحب نظرية "نهاية التاريخ" السيد فرانسيس فوكوياما وهو يتابع الغوغاء يجتاحون معبد الديمقراطية الليبرالية بقيادة وتحريض وتوجيه من رئيس الولايات المتحدة الذي لم تعجبه نتائج صناديق الاقتراع في الانتخابات "الأكثر نزاهة وشفافية وديمقراطية" في العالم!؟.
ربما هي فعلا نهاية التاريخ ولكن في اتجاه معاكس لتاريخ السيد فوكوياما، بمعنى ألا يمكن أن يكون ما حدث هو مؤشر على نهاية تاريخ الكذبة الديمقراطية لليبرالية الرأسمالية ؟.
في محاولة لسد ثغرات نظرية فوكوياما وعقلنتها رد العالم والسياسي الأميركي، والبروفسور في جامعة هارفارد صمويل هنتغتون في عام 1993،على أطروحة تلميذه فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، حيث اعتبرها نظرة قاصرة، وجادل بأن صراعات ما بعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية واختلافاتها السياسية والاقتصادية، بل ستكون الاختلافات الثقافية المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر في السنين القادمة. توسع هنتغتون في مقالته وألف كتاباً بعنوان صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي جادل فيه بأنه وخلال الحرب الباردة، كان النزاع آيديولوجياً بين الرأسمالية والشيوعية ولكن النزاع القادم سيتخذ شكلاً مختلفاً ويكون بين حضارات محتملة وهي :الحضارة الغربية - الحضارة اللاتينية - الحضارة اليابانية - الحضارة الصينية - الحضارة الهندية - الحضارة الإسلامية (كل الدول ذات الأغلبية المسلمة) - الحضارة الأرثوذكسية - الحضارة الأفريقية - الحضارة البوذية.
على ما يبدو أن هنتغتون وبدلا من أن "يكحّلها عماها".
ذلك أن ذات التاريخ الذي سخر وقهقه يوم 6 كانون ثاني 2021 في قاعات وردهات الكونغرس الأمريكي من التلميذ فوكوياما ونظريته "نهاية التاريخ"، لا بد وأنه يسخر ويقهقه الآن أيضا من أستاذه السيد صمويل هنتغتون ونظريته "صراع الحضارات". فما حدث منذ تولي دونالد ترامب للسلطة قبل أربع سنوات، هو أن الصراع الطبقي والإيديولوجي والعنصري والانقسام الداخلي قد انفجر في قلب أمريكا ذاتها وراح يهزها من جذورها. فالصراعات القومية والسياسية والاقتصادية والأيديولوجية لم تخل المكان لصراع ثقافات وحضارات هنتغتون كما بشرنا، بل نجدها تتداخل معها في عملية فعل وتفاعل غاية في التعقيد، مثلا:
- خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
- التقارب الصيني الروسي
- الصراع بين أرمينيا وأذربيجان.
- تطبيع العديد من الدول (العربية الإسلامية) مع إسرائيل.
- علاقات إيران مع روسيا والصين وفنزويلا وكوريا الشمالية.
- فشل وتراجع اليمين الشعبوي المدعوم من أمريكا مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد الراسمالية المتوحشة في العديد من دول أمريكا اللاتينية وصمود وعودة قوى اليسار: فنزويلا، كوبا، بوليفيا، الأرجنتين، نيكاراغوا.
- بناء جدار الفصل بين أمريكا والمكسيك.
- أزمات حلف الناتو
- وغيرها....
أدرك وأعي أن منظومة المؤسسات والسيطرة في أمريكا، ستتعامل مع ما جرى يوم 6 كانون ثاني 2021، وستحاول تقليل الخسائر وترميم الواجهة الزجاجية البراقة التي تهشمت.
إلا أن لعبة"الديمقراطية" التي كانت أمريكا من خلالها تبيح لنفسها التدخل ومنح شهادات النزاهة والشفافية والشرعية لأية انتخابات في العالم ما لم تتوافق مع المعايير الأمريكية قد سقطت وأخفقت بامتياز وسيكون لها ارتدادتها العميقة على كل المستويات.