نصار إبراهيم
تابعت وتابع الكثيرون ما جرى في مقام النبي موسى، وما ترتب على ذلك من ردود فعل وسجالات والتباسات وثرثرات.
ما شاهدناه وسمعناه يثير الأستياء والأسى من مستوى الهبوط وتدني الشعور بالمسؤولية الوطنية والثقافية والاجتماعية.
يمكن أن نعاتب ونلوم الشباب الذين أحيوا الحفل في هذا المقام الديني والتاريخي أيا كانوا، لكن ما جرى يتجاوز العتب والنزق والردود الإنفعالية ليضعنا أمام استحقاقات واختلالات واستنتاجات أكثر عمقا وأكثر خطورة.
الاستحقاق الأول: يتعلق بالسياسات والاستراتيجيات والمعايير التي يجب أن تضبط وتنظم التعامل مع الأماكن الدينية والحضارية والتاريخية والتراثية عندنا. ما جرى في مقام النبي موسى يشير إلى خلل فادح وخطير، ما جرى ليس له علاقة بحرية التعبير والفرح، كما ليس له علاقة بما يسمى جزافا تشجيع السياحة والتفاعل الثقافي والحضاري والاستثماري.
الدول العصرية الوازنة تضع بروتوكولات صارمة وحاسمة في التعامل مع تراثها الحضاري والثقافي، مع توفير هيئات وكفاءات وعناصر بشرية مختصة للحفاظ على هذا الميراث من الإساءة والعبث أو الإضرار به ماديا وسلوكيا، واستثماره بفاعلية لتعزيز هويتها القومية والحضارية ووحدتها.
فالكثير من تلك البلدان تحظر مثلا على الزوار المساس أو العبث بالمعالم الحضارية والتراثية، فيتم إلزام الزائر بجملة من الإجراءات الوقائية كأن يلبس لباسا معينا أو أحذية محددة، أو أن يتقيد بسلوك معين، وفي بعضها يحظر التصوير كي لا تؤثر الإضاءة على المكان أو المقتنيات.
كما يجري تحديد المعايير لطبيعة النشاطات المسموح بها في تلك الأماكن، بحيث تنضبط لطبيعة المكان. فإذا كان دينيا فيجب الألتزام باحترام حرمته وعدم الإساءة له من خلال تصرفات أو أنشطة تمس بمكانته ورمزيته الدينية عند المجتمع. وإذا كان تاريخيا وحضاريا فيجب أن تكون الأنشطة الثقافية متناغمة مع المكان ورمزيته ودلالاته بما يزيده بهاء وعمقا ثقافيا.
فعلى سبيل المثال لا الحصر علينا أن نتخيل طبيعة الأنشطة التي يمكن أن يسمح بها في أماكن حضارية وتراثية مثل: تاج محل في الهند، أو آثار بعلبك في لبنان، أو في الكولوسيوم في روما، أو في الأكروبوليس في أثينا، أو على المدرج الروماني أو البتراء أو قلعة صلاح الدين في الأردن، أو مدرج بصرى أو تدمر أو قلعة حلب في سورية، أو الكرنك والأقصر في مصر، أو قصر الحمرا في غرناطة إسبانيا.
أما بالنسبة للأماكن الدينية فلها معايير أخرى ترتبط بطبيعة المكان ورمزيته وقدسيته عند المجتمع المحدد وما يؤمن به من معتقدات، سواء من حيث احترام فضائه أو الإلتزام بشروط دخوله من حيث اللباس والتصرف. بالتأكيد إن بعض هذه الأماكن الدينية، عدا عن دورها ووظيفتها الدينية، يمكن أن يكون لها بعد سياحي وثقافي وتراثي، لكن هذا الدور مشروط بالالتزام بالمعايير الناظمة التي تحترم مكانة ورمزية تلك الأماكن، مثلا: المسجد الأقصى والصخرة المشرفة والمسجد الإبراهيمي، كنيسة المهد، كنيسة القيامة، كنيسة البشارة ، المسجد الأموي في دمشق، كنيسة النوتردام في فرنسا، مسجد قرطبة، الأزهر في مصر، جامع الزيتونة في تونس، كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان، المعابد الهندوسية والمعابد البوذية، وصولا إلى أصغر مكان للعبادة عند أي شعب أو أو قبيلة. في مثل هذه الأماكن التي تعتبر مقدسة عند أصحابها، يمنع الاستخفاف أو العبث أو التجاوز، والتصرف بأعلى درجات الحساسية والمسؤولية والاحترام.
أما الأماكن الثقافية كالمتاحف فلها أيضا خصوصيات تستوجب الدقة والألتزام عند زيارتها أو تنظيم أنشطة ثقافية فيها مثل: متحف اللوفر في فرنسا، أو متحف الأرميتاج أو المسرح الكبير "البولشوي" في روسيا، في مثل هذه الأماكن تتحدد الحركة ويمنع في بعض غرفها وأجنحتها التصوير ويمنع لمس المقتنيات، والأنشطة التي تنظم في مرافقها لا يسمح بها إلا إذا كانت بمستوى ما يمثله المكان من أهمية ثقافية.
وحتى على صعيد الأماكن السياحية البييئية هناك معايير صارمة يجب التقيد بها، من حيث الحفاظ على النظافة، وعدم الإضرار بالموجودات الطبيعية من نباتات وحيوانات ومشاهد.
الإحالات والإنتباهات والأمثلة أعلاه تضعنا أمام الاستحقاق الثاني: ألا وهو السياسات والأبعاد والنواظم التي يجب الإلتزام بها هنا في فلسطين عندما تمنح أي جهة إذنا أو ترخيصا لاستعمال تلك الأماكن التاريخية والحضارية والتراثية والدينية. بحيث لا تُترك للاجتهادات أو المبادرات أو التقديرات الخاصة للمؤسسات أو الأفراد أو الشركات الاستثمارية.
وعليه، بالعودة لما حدث في مقام النبي موسى، وحتى لا يضيع النقاش ويتحول إلى مجرد ردود فعل وغضب عفوي، من الضروري فتح ملف المسؤولية حول هذه الأمكنة والسياسات التي تنظم التعامل معها أو استخدامها، وجهات الإشراف والرقابة عليها. هل تملك سياسة وبروتوكولات؟وإذا وجدت مثل هذه السياسات والبروتوكولات لماذا لم تطبق؟ ,هل هناك متابعة وتدقيق ورقابة!؟ ما هي المسؤوليات المحددة لكل جهة: وزارة الأوقاف، وزارة السياحة والآثار وغيرهما. فكما يقول مأثورنا الشعبي "المال السايب بعلِّم السرقة".
الاستحقاق الثالث: مع الإقرار بأهمية ودور ما نملك كشعب فلسطيني من أماكن رائعة ومدهشة دينية وحضارية وتراثية وتاريخية في تنمية السياحة والاستثمار السياحي، إلا أن هذه الوظيفة يجب أن تخضع لمعايير واضحة بحيث لا يصبح مجرد الربح فقط هو المحدد لاتخاذ قرار الاستخدام، بل يجب أن يرتبط ذلك وبكل وضوح بشروط الحفاظ على تلك الأماكن وما تمثله وتعنيه من قيم حضارية وتاريخية ودينية. من أهم المبادئ التي وضعتها منظمة السياحة العالمية لاستخدام الأماكن التاريخية والدينية والحضارية والتراثية هو احترام قيم ومعتقدات المجتمعات وعدم الإساءة لها أو الاستخفاف بها، وأن يلتزم الاستثمار السياحي بشروط الحفاظ المادي والثقافي والمعنوي على تلك الأماكن.
الاستحقاق الرابع: ويتعلق بضرورة الوعي العميق بأن جميع الأماكن الدينية والتاريخية والحضارية والتراثية في فلسطين هي لعموم الشعب الفلسطيني، فهي لا تخص فئة أو شريحة أو طائفة بعينها، وبالتالي فإن احترامها والحفاظ عليها من التدمير والعبث أو الإساءة هي مهمة الجميع بدون استثناء، وعليه فإن أي خلل أو خطأ يحدث على هذا الصعيد يدفع ثمنه الشعب الفلسطيني أولا وعاشرا.
بناء على ما تقدم فإن التعامل مع ما حدث في مقام النبي موسى بمنطق رد الفعل والتحريض، أو تحويله لمناسبة وساحة لتبادل الاتهمات أو التهرب أو تصفية الحسابات أيا كانت الدوافع أو المبررات، هو حرف للنقاش عن جوهره، ويفقدنا فرصة الاستفادة من الدروس العميقة التي جاءت في سياقاته.
فمهما كان حجم الخطأ أو سوء التقدير لما جرى في المقام، سواء كان بوعي أو بدونه، بحسن نية أو بسوء نية، من المعيب أن تتحول كنوزنا الدينية والحضارية والتاريخية والتراثية من عامل توحيد فاعل للشعب الفلسطيني، وعامل إغناء لهويته الوطنية الحضارية والتاريخية والدينية إلى عامل تمزيق وتشاحن وتقسيم.
الاستحقاق الخامس: ضرورة إدراك أن التهديد الأخطر على كنوزنا الدينية والتراثية والحضارية هو الأحتلال أولا وقبل أي شئ، فهو الذي يدنس ويدمر ويشطب ويصادر ويمنع ويحاصر، وعليه من الخطأ الفادح جعل الأخطاء والتناقضات الداخلية تنسينا تناقضنا الرئيسي مع الأحتلال الذي يهدد كل ما نملك، ولا يفرق بين الفلسطينيين سواء في القدس أو من الضفة أو غزة أو من 48 أو في الشتات، بين مسلم ومسيحي، بين لاجئ ومقيم، بين مدينة وأخرى، بين بدو وفلاحين...
في النهاية، ما جرى في مقام النبي موسى مرفوض، لكن الأهم هو الاستفادة من الدروس كي نصحح السياسة ونعزز المتابعة والرقابة، بحيث يتحمل من يخطئ خطأه دون مبالغة أو هبوط أو إساءة أو هروب من المسؤولية.
بالمناسبة أين قوى اليسار الفلسطيني؟ لماذا لم تقدم موقفا ورؤية واضحة بهذا الخصوص، لنعرف مقارباتها وكيف تنظر وتتعامل مع مثل هذه الإشكالات والتناقضات الاجتماعية الداخلية!؟. وأيضا من أجل توجيه وإغناءالنقاش وتحصين الوعي المجتمعي وعدم تركه لردود الفعل العفوية. أليس هذا جزءا من دورها ووظيفتها الوطنية والتقدمية!؟. (أرجو أن يكون قد صدر عنها موقف أو تحليل، بالنسبة لي لم أسمع أو أقرا شيئا جديا).