لست شيخا ولا كاهنا ولا عالم دين ولا صاحب طريقة... ولكن:

إحدى أكبر المعضلات التي يواجهها الناس  هي إعادة تفسير وإعادة تأويل النص المقدس من قبل من يصنفون أنفسهم كرجال دين، وكأن كلام الله  جاء بطريقة لن يفهمها أبدا سوى المتخصصين والخبراء.. ترتب على هذه المعضلة عبر التاريخ: أن كلام الله الذي من المفترض أنه جاء ليوضح ويحدد بديهيات العلاقة بين الإنسان العادي وربه، بينه وبين نفسه، بينه وبين غيره، بما يتناغم مع أساسيات الأخلاق والخير والسلوك الحسن والشعور الإنساني النبيل ومواجهة الشر هو أنه أصبح موضوع خلاف واحتراب وحروب لا نهاية لها، وكل ذلك تحت يافطة الاختلاف على فهم كلام الله الواضح أصلا. 

يقولون ما قصده الله سبحانه بهذه الآية أو تلك ما يلي.... إلخ، ويستفيضون في شرح قصد الله.. حسنا إذا كان الأمر كذلك  فلماذا لم  يحدد الله ولم يفسر ولم يوضح قصده مباشرة منذ البداية، لماذا يلجأ للغموض... لماذا يترك هذا الأمر الجلل والحاسم (كلامه وتعاليمه) للمفسرين والمجتهدين ليخوضوا فيها على أهوائهم!!؟ ولماذا، مثلا،  لم يقم الرسول عليه السلام بوضع تفسير جامع مانع لأقوال الله وآياته لكي ينصرف الناس للعمل بدل التلهي والانقسام  على المعنى والتفسير، ولماذا لم يقم السيد المسيح عليه السلام بوضع شروحات لنصوص الإنجيل ليوضح ما يقصد بالضبط إن كان غامضا...!!؟.

ويقولون أن كلام الله مطلق... حسنا ولكن ألا يحول تدخل رجال الدين بهذا القدر من العسف والإسقاط الشخصي ذلك المطلق إلى نسبي!؟

 هل تعني هذه الفكرة التي أشير إليها أعلاه إلغاء الاجتهاد والتأويل!؟

لا أعتقد ذلك، وإنما تدفع لتحديد سياق الاجتهاد  والتاويل بما لا يتناقض أو يتجاوز عقليا وروحيا البديهيات وفطرة الإيمان السهلة والبسيطة كما يقال، لهذا فإن أي تأويل أو تفسير يجعل من السهل معقدا ومن الواضح غامضا ويجعل من البديهي حقلا لا نهائيا من التناقضات، ليتحول كل هذا التراكم من التفسيرات والتأويلات والتعقيدات المتناقضة إلى حالة صراع واشتباك بين الناس وأتباع الأديان... حيث ينسى الناس الأصل، ينسون الله وكلامه، وينخرطون في حروب وخلافات لا هوادة فيها بين تأويل هذا وتفسير ذاك... فتتوالد الطوائف والمريدين وراء كل من هب  ودب في حالة من العماء والفوضى الشاملة.. ومن لا يصدق هذه الحقيقة لينظر فقط حوله...   

 "عندما يصعب تفسير الاشياء البسيطة فلأنها تكون بسيطة جدا والدخول في مبالغات الشروح والتفسير تجعلها غير مفهومة واحيانا توصل الى نتائج مغايرة .. فالدين هو طريقة تفكير بسيطة والكتب اللاهوتية والسماوية تحديدا ليست شيفرات كتبها الاله للتشويش على البشر .. لكن رجال الدين يقعِّرون المعاني ويحفرون السطور ويبقرون بطون الكلمات بحثا عن الكنوز المخبأة كما يزعمون رغم ان الايمان والعمل الصالح شأن بسيط وفطري أحيانا ولا يحتاج مساجد فخمة وطقوس تطويب في الفاتيكان .. فلا المسيح كان بحث عن فاتيكان ولا النبي محمد كان مكترثا بالثريات والقباب ولم يطلب من ابن تيمية او غيره ان يترجم كلام الله وكأنه رسالة مشفرة لا يفهمها الا ذوو اللحى .. وما يحدث لرسالة الله بسبب اجتهاد رجال اللاهوت هو انهم يعقدون سبيل الوصول الى الله كمن يحفرون انفاقا وممرات مظلمة للناس تحت الارض يقودونهم من خلالها على اضواء الفوانيس، مع أن الناس قادرون على السير فوق الارض وتحت ضوء الشمس .. ورجال الدين لا يقبلون الا أن يفتحوا بطون الكلام بحثا عن الخواتم الذهبية واللؤلؤ المخفي في الحكايات .. وما يفعلونه ليس الا قتلا لكلمات الله وتعذيبا لها لتقر وتعترف بما لم تكن تعنيه ..انه اعتراف تحت الاكراه والتعذيب .. ولذلك خرجت علينا المذاهب .. وشيوخ المذاهب .. وقتلنا بعضنا كبشر بين اتباع هذا واتباع ذاك" (نارام سرجون – 3 تموز 2019).