(بمناسبة اليوم العالمي للقدس: أحبك يا قدس لا تسأليني لماذا وكيف وماذا أحب.. فإني حملتك جرحا خفيا... في أعماق قلبي ونارا تشبُّ)
القدس على صدر الأزرق المطلق تغفو.
كل الطرق تذهب إليها فتزداد توهجا ... إنها ليست مجرد مدينة... بل مدينة فكرة... يأتيها الغزاة بفيض من قوة ووهم، يعبثون في أعماقها علهم يجدون ما يشير إلى عبورهم في تاريخها الممتد... يحاصرونها... يحيطونها بجدار رمادي اسمنتي بائس وبشع... لكن القدس بقبابها وبيوتها وناسها وذاكرتها تشع مع إطلالة الصباح وتهدل في هدأة المساء... كلما يحاصرها الحصار تمارس غواية العود والقيامة إلى السماء... ومن هناك... حيث الأفق الٌصى ترسل طوفان حضورها وتجددها... كقوة كامنة تسري في الجهات الأربع: أنا مدينة المدى، الألوان، الضياء، الظلال، الغناء، الحضور، الغياب، الصهيل، الهديل، البحر، البر والصحراء...و... مدينة التين والزيتون وبراءة الأنبياء... و"كل من مروا إلى السماء".
هي القدس هكذا...تشعل الكون عشقا وعواصف... تهدهده على تراتيل الصلاة... هي القدس دائما في عين العاصفة، فهي قوة الحسم لحقوق وروايات وطموحات ومصائر، إنها ليست مجرد جغرافية، كما ليست مجرد رموز دينية، بل مدينة تختصر وطنا وتختصر تاريخا، عابرة للحدود والطوائف والأديان.. تمد جسورها نحو أفقها العربي والإنساني... مدينة لها قوة التوحيد لشعب فلسطين الذي أدماه الاقتلاع والتشريد، لكل هذا وسواه فإن القدس دائما في قلب النار والصراع، ولم تكن يوما خارج ذلك، لأنها محور الصراع... 
إنها جسر العبور إلى فلسطين وجسر الوحدة الوطنية وجسر الإنسان نحو السماء...
هي القدس، لحظة التكثيف لما كان وما و كائن وما سيكون... امتلكت دائما طموح الصعود إلى الأبعد... فكرة وذاكرة... حقل التاريخ والشتباك المستمر... يأتي الغزاة مدججون بالأوهام لاحتوائها وتطويعها واحتلال وعيها... فتنهض بجبروتها الباس الساطع تقاوم وتأبى النصياع... فتأخذهم وتطحنهم وتلقي بهم وبأوهامهم خارج أسوارها يجللهم العجز والارتباك والهزيمة... ثم تواصل عزف أناشيدها وأفراحها... 
هي القدس كالسماء أو أقرب!
مسكونة بفيض الرموز والدلالات، بفيض اليمام المعشش في شقوق أسوارها، والياسمين المتكئ على شرفات المنازل، المتعربش على حبال الغسيل الأليفة فوق أسطح البيوت المسكونة بدفء الأمهات ومشاغبة الأطفال وصبر الرجال، وغير بعيد على التلال والمنحدرات تلقي أشجار الزيتون المثقلة بمعنى الوعد أثقالها.
يدخل العشاق والحالمون عبر بواباتها السبع... فيزدادون عشقا... فالقدس تعشق من يراقصها و يهامسها بأغنية فتغفو على صدر فلسطين كعادتها... مهرة أصيلة تعرف – بحدسها – كل لصوص التاريخ والآثار، قد تصمت حينا... لكنها تحشد غضبها بانتظار لحظة القيامة الآتية لا ريب فيها... 
هي القدس إذن، كالسماء أو أقرب!
قال العاشق الفلسطيني، قالت العاشقة الفلسطينية: لا نستطيع دخول المدينة وهي على مرمى نظر أو نبضة قلب! إذن، ستحملها الألوان والضوء إلينا... مع الصباح وعند المساء، صيفا وشتاء... في مواسم القمح والسنابل المثقلة بالولادة والمقاومة ورائحة الخبز المقدسي.
هي القدس تتجلى كالرؤيا، تتخطى حدود المكان والزمان... كنعانية على رأسها حزمة قمح تضيء قبابها بلون الفجر أو الغروب شمس تودع أفقها الغربي على أمل العودة صباح اليوم التالي... وفي أيام المطر يخاصرها قوس قزح فتتلامع أوراق زيتونها ببريق الحنين.
يقول الفلسطيني تقول الفلسطينية: هذي القدس لي... تفرد قامتها وذراعيها للريح فتحتوي ما عداها... تعيد خلق الوعي فينا، تعجن الألوان والضوء والظلال والأصوات والصمت ومفردات الطبيعة، همس البيوت والمساجد والكنائس والزوايا والأزقة... رائحة البخور والهال والقهوة وموسيقى تنساب: (إليها نرحل كل يوم)... هي صهيل الماضي وحزن الحاضر وفرح الأيام القادمة... يسعى إليها الأنبياء فتبتسم... تبتعد عن السماء ما شاءت ثم تعاود الاقتراب حدّ العناق... هي القدس خلف الجدار وأمامه، تحاصر من يحاصرها، واضحة ومراوغة، تستولي عليك دون أن تنتبه، وكطفل تقودك حيث تريد.. تناغيك... وتعاقبك إن أسأت الأدب أيضا.
هي القدس إذن، كالسماء أو أقرب!
هي القدس حكايتنا... نرى ذاتنا فيها وترى ذاتها فينا... فكيف نكون بدونها وكيف تكون بدوننا!!؟؟ أي وهم ذاك الذي يريد أن يلغي مدينة بحجم شعب وبحجم وطن وبحجم كون!؟
ولأنها القدس وليست غيرها... فهي تتجاوز كل الأوهام وكل التفاصيل والقرارات العابرة... ومن لا يدرك ذلك ويركب رأسه أو أوهامه... فستعيده القدس على طريقتها إلى خط الحقيقة الأول حيث كانت ولم يكونوا... فليفهم .. من يفهم!
وسلام عليك يا جميلة المدائن.. صلام عليك يا قدس!.